m

فئة :

2013 Nov 02

الدكتور الشبيلي يستعرض سيرة الأديب الراحل محمد الفهد العيسى

أثنى الدكتور عبدالرحمن الشبيلي على الأديب الراحل محمد الفهد العيسى الذي كان له الحضور الدائم في الوسط الثقافي وأذهان محبيه، وفي المجتمعات الستة التي عمل فيها سفيرًا، وكان مجلسه مفتوحًا على الدوام منذ أن بزغ نجمه قبيل الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي وكانت مشاركاته الثقافية لا تغيب ولا تنقطع وإبداعاته الشعرية تتجلى في كلّ منعطف مرَّ بالوطن، وفي كل مناسبة أسرية أو عاطفية أحاطت به، ولوحة أدبية سلبت خياله في ربوع بشري بلبنان ولوزان في سويسرا، وتساءل كيف له أن يكون التائه، وهو الذي أقسم في إحدى قصائده الحديثة نسبيًّا أن لن يضيع ولن يستكين، جاء ذلك في محاضرة قدمها في سبتية حمد الجاسر الثقافية بعنوان “محمد الفهد العيسى: مجموعة إنسان” أدارها سعادة الدكتور عبدالله الحيدري يوم السبت 28 ذو الحجة 1434هـ الموافق 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013م.

وأشار إلى أن الشاعر عُرف في المجتمع الثقافي باسماء مستعارة مثل “الفهد التائه وبدوي الدهناء والحطيئة وسليم ناجي” وسجّله عبد الله بن إدريس في كتابه (شعراء نجد المعاصرون) ضمن ثمانية من شعراء عنيزة وحاولت هذه المشاركة التي قُدّمت بمناسبة تكريم المهرجان له في مسقط رأسه، التجوَّل بانوراميًا في تحوّلات حياته لتتوقّف عند ثلاث محطات مؤثِّرة شكّلت نفسيّته وتركت بصماتِها وآثارها الواضحة في تكوينه أولاها؛ تلك الحقبة المبكّرة من شبابه التي قضاها متنقلاً بين مدن الحجاز، وأودعت ثقافته المعرفيّة كثيرًا من المؤثِّرات، أما المؤثِّر العميق الثاني، الذي استمرّ أبو عبدالوهاب مصدومًا بانعكاساته النفسية عليه بقية حياته وتسبّب في إيقاف صعوده الوظيفي، فكان هجمةً شرسة تعرّض لها في منتصف شبابه من أحد المشايخ المتشدّدين (محمد أحمد باشميل) في أعقاب صدور بعض قصائده الجريئة مطبوعةً في لبنان، إِذْ بقي في إثرها حبيس إقامة اختيارية فرضتها عليه ظروفُ تلك الزوبعة، بسبب ما تضمنته القصائد حقيقةً أو مُنتحلاً بعضُها من جرأةً نواسيّة وربما عقديّة غير مقبولة، خاصةً وقد كان حينها يشغل وظيفة قياديّة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعيَّة، وبقيت تلك القضيّة التي سبّبتها قصيدة «ليديا» وبعض قصائد ديوانه على مشارف الطريق (دار العلم للملايين بيروت 1383 هـ – 1363 م)، والمؤثِّر الثالث الذي فاق غيره من المؤثِّرات، فإنَّ هذا الإنسان الذي لا تكاد الابتسامة والدعابة تفارقانه، مرَّت به وبأسرته مصائب بالغة الأسى، كان من بينها فقدُ الابن الأكبر عبدالوهاب والبنت الكبرى فوزية، ثمَّ الابن الأوسط نزار وحفيدتهم سارة (بنت عبدالوهاب) رحلوا جميعًا في (عز) الشباب في سنوات متقاربة، وفارق أبو عبدالوهاب الدنيا في آخر شهر رمضان المبارك دون أن يعرف بوفاة الحفيدة التي سبقته إلى الدار الآخرة بفترة وجيزة، وقد نظم في بعض تلك الرزايا قصائد من جميل شعره وأكثره حزنًا وشفافية، واحتسب وحرمه وأولادهما د. إيمان وعدنان وعبد العزيز وغادة في مصابهم وجه الله أبلغ احتساب.

وفي ختام المحاضرة سرد بعض آاراء المفكرين والأدباء فيه فقد قال د. غازي القصيبي (1419هـ) «لو تجسِّد الشعر رجلاً لكان رجلاً يشبه العيسى، يشبهه في أناقته، يشبهه في كرمه، يشبهه في طيبته، يشبهه في وداعته، يشبهه في دواوين شعره، إنّه يتنفس شعرًا، ويعيش شعرًا، ويأتيه الشعر من بين يديه ومن خلفه ولا يذهب إليه، مخلص للشعر، لا فجوة بين شخصيته الاجتماعيَّة وحياته الشعرية، فرومانسيته الشعرية تنبع من حياته وليس من خياله، ورقّة شعره وهدوء معجمه تنبع من رقّة مشاعره، إنّه يكتب شعره دون تكلّف أو تصنّع، فالعيسى – في نظر د. غازي كما نقلته جريدة الرياض – مخلوق شعري وديع أنيق، خفيف الوزن حسّيًا وشعرّيًا». كما قال عنه د. إبراهيم التركي عند رثائه: «حظّنا أنّه من هنا، وسوء حظّه أنّه لم يكن من هناك، وإلا لأصبح رقمًا إبداعيًا معادلاً لقيم شعرية لديهم تبوّأت القمم، تواصل الشاعر العيسى ليرسم لوحات العشق للأرض والأنثى غير آبهٍ بالأصوات المعترضة، وأعطاه اغترابه عن الوطن سفيرًا دفقًا عاطفيًا جميلاً لا تثنيه الرقابة أو القيود، ولم يكن غيابه سوى حضورٍ هادئ أبعده عن ذاكرة الإعلام ليبقى في طليعة الأعلام، وجد العيسى سلواه في البحر والنهر والسهل والصخر والطفل والمرأة، ووجدنا عزاءنا في صورة شاعر أحب للحب وأضاء الدرب، وظلَّ شاعر الخصب في زمن الجدب».

ثم استعرض قدم لمحة لما تقوم به ابنته د. إيمان في إعداد كتاب عن سيرته تعكف على إعداده، وقد نُشر العديدُ من الدراسات الأدبيَّة النقديَّة لشعره، منها تلك الرسالة الأكاديمية التي أعدّها جبر الفحّام عن شعره، واستلّ منها محاضرةً ألقاها في النادي الأدبي بالرياض بُعيد وفاته (الأربعاء 14 شوال الماضي الموافق 21 أغسطس 2013 م). وتلك الدراسة المطوّلة سالفة الذكر التي نشرتها جريدة الرياض (10 يناير 2013 م) بعنوان شاعر الحزن الشفيف، وتضمّنت قراءات لشعره من نقّاد بارزين هم د. غازي القصيبي ود. عبد العزيز المقالح ود. راشد بن عيسى ود. محمد عيد الخطراوي ود. محمد الشنطي وعبد الله عبدالرحمن الزيد.

ثم تلك الدراسة المعمّقة التي كتبها في شهر سبتمبر الماضي أحمد محمد الواصل بعنوان «أبو الأغنية السعوديَّة الحافية» مقررًا فيها أن الأغنية السعوديَّة الحديثة قد تطوّرت مع منتصف القرن الماضي بواسطة ثلاثة مجدّدين هم ابن الطائف طارق عبدالحكيم وابن مكة المكرمة إبراهيم خفاجي وابن عنيزة محمد الفهد العيسى، وانتقلت معهم من الموروث الشعبي الجماعي بأدوات الطرب التقليدية إلى الأداء الفردي بالآلات والمعازف الحديثة والنوتة الموسيقية.وقبل ذلك، نشرت المجلة الثقافية الصادرة عن صحيفة الجزيرة ملفًا ضافيًا عنه معنونًا بشاعر اللَّيل والشجن (العدد257 الصادر في 20-10-2008 م) وكتب فيه عبد الله بن إدريس وعبدالرحمن السدحان ود. عبد الله المعيقل وآخرون.وكان قد شارك المحاضر بهذه الورقة بمناسبة تكريم محمد الفهد العيسى في مهرجان عنيزة الثقافي الرابع الثلاثاء 24 ذو الحجة 1434هـ الموافق 29 أكتوبر 2013م، ثم فُتح المجال للمداخلات والمشاركات التي أثرت الموضوع.