خادم الحرمين الشريفين وعلاّمة الجزيرة العربية

من النَّهج الثابت لملوك المملكة العربية السعودية منذ إنشائها على يد المغفور له الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، رعاية العلماء والمثقفين والأدباء. ومن المعروف عند الخاص والعام أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ذو تاريخ طويل وجهود مشكورة في رعاية أهل العلم والفكر والثقافة والأدب. وبالنظر إلى الشيخ حمد الجاسر مثالاً، فقد كان للملك سلمان اهتمام شخصي به، بشكل يبعث على الفخر والتفاؤل بمستقبل ثقافي واعد في ظلِّ عهده الميمون. وكشف معن الجاسر لـ«الحياة» أنه كان للملك صلات عدة مع والده الشيخ حمد الجاسر تشمل صلة الجوار، والثقة الشخصية والعلمية، والتواصل بالزيارات والاتصالات والمراسلات، مشيراً إلى أن الكلمات النبيلة للملك في حفلة افتتاحه مؤسَّسة حمد الجاسر الخيرية تؤكد تقديره للمثقفين السعوديين، وأن الملك قال عن والده: «ليس من اليسير أن أتحدَّث أمام نخبةٍ من أبناء الوطن عن قمةٍ من قمم العطاء، وعالم جليلٍ فاضل، أمضى سني عمره في خدمة وطنه وأمته، حاملاً مشعل العلم أينما حلَّ، ولن أضيف جديداً إلى ما يُعرف عن هذه الشخصية البارزة المميَّزة في العطاء والريادة والنتاج الفكري». ويبين الجاسر أن صلة الملك بوالده تلخصها العبارات الأبوية عندما قال: «تربطني بالشيخ حمد الجاسر علاقة خاصة ومتينة، إذ كنتُ أستعين به وأستفيد منه في كثير من البحوث والكتب التاريخية التي أرجع إليه فيها، وآخُذُ رأيه حولها، وكان يعطي الرأي الدقيق والرؤية العلمية الصحيحة، بل كان الشيخ حمد الجاسر خير جليس، وكنتُ آنَسُ كثيراً بمجالسته». وأشار إلى أن ما يدل على متابعته الثقافية لأعمال والده الباحث والمؤرخ ما قاله في العام 2000، إذ كانت الرياض عاصمة الثقافة العربية: «بصفتي أميراً لمنطقة الرياض، لا بد من الإشارة والإشادة بما قدَّمه حمد الجاسر لهذه المدينة من خدمات جليلة، فأنشأ أول صحيفة فيها وهي صحيفة (الرياض)، وأنشأ مجلة (اليمامة) وأول مطبعة في هذه المدينة، وألَّف أول كتاب تاريخي عن مدينة الرياض وهو كتاب (مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ)، وأصدر مجلة (العرب) التي تُعنى بتاريخ العرب ولغتهم وثقافتهم وأنسابهم، وحظيتْ هذه المجلة الرائدة، لأنني في الواقع من قرَّاء العرب من غلافها إلى غلافها، وأترقَّب صدورها، وأقول إن هذه المجلة حظيت بدعم الدولة ومساندة الشيخ حمد الجاسر في استمرار صدورها». وأضاف الجاسر: «بادل الملك سلمان والدي حباً بحب، فكان يذكر جهوده ودعمه ودوره الثقافي، وكثيراً ما كان يتطرق لذلك في مقالاته، في مثل وصفه له بـ«الأمير الشهم»، ومثل قوله خلال حديثه عن أحد كتب الرحلات: «هذه رحلة طريفة قامت دارة الملك عبدالعزيز بنشرها على نفقة الملك سلمان الذي يبذل اهتماماً قوياً بالإسهام بنشر كل ما يتعلَّق بتاريخ والده العظيم الملك عبدالعزيز، موحِّد هذه البلاد، ومثل قوله: «سبق أن قرأتُ كتاب (فلبي) عن رحلته الأولى لهذه البلاد «بعثة إلى نجد 1336-1337ـ» الذي عرَّبه أستاذنا الدكتور عبدالله العثيمين، بتوجيه من الأمير المثقف الواعي أمير منطقة الرياض سلمان بن عبدالعزيز». وأوضح الجاسر أن والده كثيراً ما كان يذكر إسهام الملك وإخوانه في إنشاء مطبعة الرياض، مبيناً أن والده قال في أحد مقالاته عن المساهمين في إنشائها: «وما كان الحافز لهم سوى الدافع الوطني، لإيجاد عمل نافع لبلادهم، مما حدا بكثير منهم أن يبعث بالقدر الذي رغب المشاركة به، من دون أن يعرف ما تجب معرفته عن هذا المشروع، بل تجاوزت رغبة كثير منهم وهمته إلى أن كان يبعث بمبلغ من المال، بصفة مساعدة للقائم بهذا العمل، من قبيل التعضيد والمؤازرة، ومنهم الأمراء سلطان ومتعب ونايف وسلمان أبناء عبدالعزيز آل سعود». وتابع: «عقب وفاة والدي بادر الملك سلمان (أمير منطقة الرياض حينها) بالاتصال وكان حينها في البوسنة في مهمَّة خيرية، وأعرب خلال المحادثة عن بالغ مواساته، وأنَّ رحيل والدي خسارة للوطن كلِّه وليس لأسرته فحسب، ولم يكتفِ بتلك المحادثة، بل أتى ليقدِّم العزاء للأسرة في اليوم ذاته الذي عاد فيه من خارج البلاد». وقال: «زارنا الأمير سلمان وقتها في منزلنا، كما التقى تلاميذ وأصدقاء الوالد في دارة العرب (دارة الشيخ حمد الجاسر)، وتبادل مع الحاضرين فكرة إنشاء مشروع ثقافي يحمل اسم فقيد الثقافة السعودية والعربية، تقديراً لجهوده البارزة في خدمة تراث الجزيرة وحركة التعليم والصحافة في المملكة». وبين أن مشروع مؤسسة حمد الجاسر الخيرية ومركز حمد الجاسر الثقافي كانا برعاية مباشرة من الملك، فهو أول من تبنَّى هذا العمل الثقافي الرائد، ففكرة المؤسسة والمركز ما كان لها أن تتبلور واقعاً لولا وقفة الملك سلمان التي شجَّعت أصدقاء الراحل وتلامذته ومريديه للالتئام في لجنة تأسيسية ضمَّت أبرز الأكاديميين والمثقفين السعوديين في منطقة الرياض، مشيراً إلى أن اللجنة توصلت إلى فكرة إنشاء مؤسسة ثقافية باسم الشيخ حمد الجاسر تضمُّ مركزاً ثقافياً بمدينة الرياض، تكون تحت مظلته أنشطة علمية وثقافية وأدبية وعلمية، ورحَّب الأمير سلمان وقتها بالفكرة. وقال: «شهد الملك سلمان حفلة إنشاء المؤسسة وكان أكبر المتبرعين لها، وشرَّفها بقبول رئاستها الفخرية، وألقى كلمةً بالمناسبة أكَّد فيها أنَّ والدي «يستحقُّ كل تقدير وتكريم، لأنه خدم هذا الوطن على مدى عمره، خدم تاريخه وأدبه وصحافته»، معتبراً أن «والدي ليس عَلَماً سعودياً بل عَلَم عربي، فهو كما خدم أبناء السعودية خدم أبناء الأمة العربية من خلال جهوده المضنية ومؤلَّفاته وبحوثه الشاملة في سبيل خدمة تاريخ العرب ولغتهم وجغرافية ديارهم». وذكر أن طوال الأعوام الـ15 من عُمْر مؤسسة حمد الجاسر الخيرية (التي ينبثق منها مركز حمد الجاسر الثقافي) ظلَّ الملك سلمان عوناً وسنداً لها، وحرص على حضور اجتماعات مجلس الأمناء السنوية بجميع دوراتها، ولعلَّ كلمته التي ألقاها في الاجتماع السنوي الرابع لمجلس أمناء المؤسسة تلخِّص مدى اهتمامه وعنايته بها؛ إذ قال: «إنني أحضر هذا الاجتماع كل عام لأسباب عدة، أولها وفاءً للشيخ حمد الذي أعتبر نفسي من قرائه منذ الصغر، اذ قرأتُ كتبه وبحوثه ومجلة «العرب» منذ صدورها، وثانيها دعماً لهذه المؤسسة الثقافية الخيرية التي تواصل أداء رسالة الشيخ حمد وتحمل اسمه رحمه الله». الملك سلمان في حديث مع حمد الجاسر.